Aflamuna

 ما لا يستطيعون محوه

نشرة #2 :: حزيران 2026

الحربُ ناشبة والحرب صادحة.
لا بدّ تنتهي وبعد الحرب صمت.
ثقيل هو الصّمت والصّمت طويل.

عندما تنتهي الحرب، عندما تصمت القنابل وقبل دفن الجسد الأخير، عندما تعود الكاميرات من حيث أتت ويولّي العالم وجهه عنّا، يبقى في الصّمت وحيدًا، شيء آخر. ينساب. يتدفّق. يستمرّ. شيء لا نصوّره لأنّنا ربّما لا نعرف كيف نصوّره.
بعض الدّمار تعرفه الكاميرا. تحبّه.
 أطلال مبنًى. شجرة زيتون متفحّمة. قبرٌ قديم تحت شجرة زيتون متفحّمة. هذا سهل.
 أمّا البعض الآخر من الدّمار، فذاك مُمتَنِع. لا يرتدي شكلًا. لا يترك خلفه صورة. هو، كالحزن الذي لا ينتهي بالوقوف أمام شواهد القبور، يتدفّق. يستمرّ.
هنا تحديدًا تبدأ السينما. حيث ينتفي الشّكل.

كيف يمكن تصوير الفوسفور الأبيض الذي زرعه الاحتلال في ترابنا؟ كيف يمكن تصوير وجوده فيها وقد فاق بتسعمائة مرّة الحدّ الطّبيعي؟ لا يُصَوَّر هذا. ربّما يُقاس. يقاس في المواسم المفقودة. في الحصاد المستحيل. في الماء المسموم. يُقاس بالغياب.
 نسبة فوسفور الاحتلال في حوض نهر الليطاني بعد قصفه، أعلى بعشرين مرّة من المعدّل الطّبيعي.
نهرُنا الذي صنَعَنا لم يعد يصلح ليروي عطشًا أو زرعًا. لم يعُد يصنَع كلّ شيء حيّ. قتله الاحتلال. ولكن، وبعد كلّ “لكن” ولادة، على ضفّة النّهر تحت الصّفصاف الذي كان، تشخص عيونٌ تعرف النّهر وتعرف متى يعود حيًّا لتعود إليه.
في الخريف الذي مضى ولا بدّ يعود الخريف، طرد الفوسفور اللقالق البيضاء. لم تسترح على تلال عيتا الشّعب. الاحتلال قتل أرضها. لم تفتقدها الكاميرا. لم يُصوّر أحد غيابها. ولكن، وبعد كلّ “لكن” حضرة، ما من غياب يدوم. عندما يعود النّاس إلى الأرض ونهرها، لا بدّ تعود اللقالق.

قد يحرق الاحتلال الزّيتون. يقتلعه. يسرقه. ولكن، وبعد كلّ “لكن” نور، إنّ الزّيتون أقدم. الزيتون هو الأبقى. يحمل ذاكرتنا لأنّ الأجداد حملوه وحمله النّهر والأرض حملته. يعرف كيف ينتظر الأيدي التي زرَعَته وسيعرفها عندما تعود إليه. سيتدفّق لأنّه الأبقى، والماء أبقى والطّيور والشّجر. رغم الإبادة البيئيّة. رغمًا عن إعدام الإحتلال الممنهج والمقصود لكلّ حيّ.
 ليس لبنان في هذا وحده.
 في فلسطين، العقلُ نفسه، يصنَع القاتلَ نفسه، يَستخدم المنطقَ نفسه. إنّ يدَ القتل واحدة.  
معظم تراب غزّة تمّ قتله. البساتين. الأشجار. الآبار. بيوت الزّراعة. مصادر المياه. الاحتلال يقتل الحياة عن قصد وتصميم.

في أماكن أخرى، حروب أخرى تفعل ما يفعله الاحتلال. في السّودان تدمّر الحرب البنى النّفطيّة، تسمّم المياه الجوفيّة، تجوّع البشر، فيما يغذّيها العالم بسلاحه ويغلِقُ العينَ عنها ويحتفل.
في اليمن، دفعت سنوات الحرب البلاد إلى حافّة الإفلاس المائيّ. في سوريا. في ليبيا. المنطق نفسه في كلّ مكان:
“فلتُقتَل الأرض كي لا يعود أهلها إليها”.

وسط هذا القتل تقف البلاد اليوم. تكاد تختفي بين المحو بالنّار والمحو بغيرها. بين الصّورة الصّارخة والصّمت الطّويل. حيث لا شكل ولا صوت.
مع ذلك، عندما تقف الحرب، لا بدّ يعود الناس إليها. هم دائمًا ما يعودون. إلى الأرض التي يعرفون. إلى الأرض التي تعرفهم. إلى الماء الذي سيُشفَى ويُشفِي. إلى اللقالق التي تعرف أين تستريح. إلى الزّيتون الدُّرّيّ الذي يعرف من زرَعه ورعاه وأنار الليل بزيته. 

إلى الأرض دائمًا ما يعود النّاس. 
لأنّ للأرضِ أشياء لا تُمحَى.
لأنّ الأرضَ هذه، لا تَنسى.
عنها. عن أهلها. عن نهرها، ستروي السّينما كلّ ما لا يَحتَمِل إلا أن يُروى.